محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
45
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
والمسألة الرابعة : في الآية الثالثة وهي أنه قال : كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولم يقل : بِآياتِنا كما قال في الأولى ، ولا بِآياتِ اللَّهِ كما قال : في الثانية بل أتى بصفة من صفات اللّه عز وجل وهي الرب . والمسألة الخامسة : فعن فائدة التكرار في سورة الأنفال في موضع لا يحجز بينهما إلا آية واحدة . أما المسألة الأولى فقوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا وقع الإخبار عن النفس كما يجب في مثله إذا أخبر المتكلم عن نفسه بفعل فعله فأتى بلفظ المضمر دون المظهر ، ثم خالف ذلك اللفظ إلى غيره ، فقال : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ . الجواب عن هذا أن يقال : العدول عن المنهج الأول المستمر في الإخبار عن النفس إلى لفظ ظاهر هو لفائدة تضمنتها هذه اللفظة من الاحتجاج ، وليست هذه الفائدة في لفظة الإضمار ، وكانت الآية التي قبلها قد وقع فيها مثل هذا العدول إلى هذه اللفظة للاحتجاج الذي من أجله وقع العدول في هذا المكان إليه ، وهو قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ « 1 » فقوله : رَبَّنا يقتضي أن يكون بعده : إنك لا تخلف الميعاد ، كما قال : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ « 2 » فلما قال تعالى في هذا الموضع : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ فكان المعنى : إنك خلقت الدار الأولى للتكليف ، ومكنت العباد فيها من الطاعة والعصيان ، ورغبت المطيع في الثواب ، وخوفت العاصي من العقاب ، فوقع منك وعد ووعيد ، فرغبت من الوفاء بهما بأنك تجمع الخلائق ليوم الجزاء ؛ لأن من خلق وأنعم نعمة حقت بها العبادة ، ولزمت من أجلها الطاعة ، وهو معنى قولنا : إن اللّه إذا وعد صدق ، فلا خلف في قوله ولا تبديل لكلماته ، فلما كان معنى قولنا « اللّه » معنى الإله ، والإله مشتق من أله يأله إلاهة أي : عبد يعبد عبادة ، فالإله هو الذي حقت عبادته لما عظمت نعمته ، كان العدول إلى هذه اللفظة للاحتجاج بمعناها فائدة لم تكن لتحصل لو قال : إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ فلما تقدمت هذه الآية التي وقع العدول فيها عن لفظ إلى لفظ لما قصد من الاحتجاج بمعناه ، فكذلك بنيت هذه الآية التي تليها عليها في مثل هذا الحكم ، لما ثبت من مثل هذا المعنى ، فقال تعالى :
--> ( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 9 . ( 2 ) سورة : آل عمران ، الآية : 194 .